أحمد بن محمد ابن عربشاه
187
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
ثم قالت : أخبرك يا حبيب بوقوع أمر غريب وحادث بديع عجيب وهو أنه قدم حكيم فاضل حليم عالم عظيم ، فأكرمت نزله وبوأت منزله وكان معه كتاب فيه العجب العجاب فسألته عما حوى ؟ فقال : مكر النسا فقلت له : هذا شيء لا يحصى ولا يحصر ولا يجمعه ديوان ولا دفتر ، فلم يسلم إلىّ ولم يعوّل علىّ وذكر أنه أتهاه ولم يدع من مكر النسا فنا إلا أودعه إياه ، فما وسعني إلى أنى غازلته وداعبته وهازلته ، فطمع من لين محاورتى في حسن مزاورتى ، وطلب منى ذلك العقوق ما هو أعز من بيض الأنوق « 1 » ، وبينا نحن في العيش الرغيد وإذا بك أقبلت من بعيد كل ذلك والحكيم يسمع قولها وما تخبر به بعلها . فلما سمع الزوج هذا الكلام اضطرب وزمجر واصطخب ، وقال : وأين هذا الفاسق الفاجر المنافق واللّه لأذيقنه كأس التلف ولألحقنّه بمن سلف ، فلم يبق في الحكيم مفصل إلا ارتجف ، فقالت : ها هو في الصندوق مختفى فخذ ثأرك منه واشتفى فنهض وصاح هاتي المفتاح ، فعلم الحكيم أن عمره ذهب وراح ، وكان سبق من زمان بين الزوجين عقد رهان ؛ أنه من فتح منهما الصندوق غلب ، وأقام لصاحبه بما طلب . فلما ذكرت له حكاية الحكيم تذعنه عقد الرهن القديم ، وذهل لشدة الغيرة ووفور الحيرة وتوجه إلى الصندوق فبمجرد ما فتح القفل المغلوق صاحت عليه غلبتك يا معشوق ، فأد ما ثبت لي عليك من الحقوق ، فتذكر عقد المراهنة ولم يشك أن كلامها كان مداهنة ، فضحك بعد ما كان عبس وألقى المفتاح من يده وجلس ، ولعنها ومكرها ولعبها وفكرها ، ثم اصطلحا وانشرحا وزادا نشاطا ومرحا ، ثم خرج في ضروراته وتوجه إلى حاجاته ، فأقبلت تلك العروس إلى الحكيم
--> ( 1 ) الأنوق : العقاب ، وهو يضع بيضه في أعالي الجبال فيصعب الوصول إليه ، فضرب ذلك مثلا .